السلف والقرض

 

فصل هشتم : السلف والقرض

1 . السلف

السلم في الغالب: «ابتياع مالٍ مضمونٍ إلى أجلٍ معلومٍ بمالٍ حاضرٍ»، ويؤدّى بكلّ ما يفيد هذا المعنى، حتّى لو قال البائع: «بعت متاعاً كذا إلى أجلٍ كذا بهذا المال» فقال المشتري: «قبلت»، انعقد سلماً وحكم بحكمه.

ما يعتبر في السلم

ولا يعتبر فيه سوى ما يعتبر في مطلق البيع غير ما مرّ، نعم يراعى شروط بيع الربويّين، والنقدين.يجب في السلم ذكر المسلم فيه نوعاً، ووصفاً، فإن بالغ في التوصيف حتّى انتهى إلى عزّة الوجود، بطل السلم، وإلاّ فلا.يعتبر في لزوم السلف قبض رأس المال قبل التفرّق؛ فلو افترقا قبل القبض، فلا لزوم، وإن لزم في غير السلف.

وقبض البعض ينظر فيه، فإن تفرّقا قبل قبض الباقي فانفسخ في الباقي بفسخٍ، أو تلفٍ، جاء خيار التبعّض في المقبوض أيضاً.

وهل يجوز الإسلاف بدينٍ في ذمّة المسلم إليه؟ لا يخلو الجواز عن وجه، والأحوط المنع.

لزوم التقدير بما يندفع به الغرر

يعتبر تقدير المسلم فيه بما يندفع به الغرر، فإن كان من المكيل أو الموزون، فبأحدهما على النحو المعتبر في العين الشخصيّة؛ وإن كان من غيرهما، فما يندفع به الغرر من التحديد، كالذرع في الثوب، والعدّ في المعدود، والحزم فيما يحزم، مع عدم التفاوت المعتدّ به في الأمثال المتعارفة، ولو بإضافته إلى بلد المعاملة، بخلاف ما لا يندفع فيه الغرر الاّ بالمشاهدة، فلا سلم في مثله.

اعتبار الأجل

الأحوط اعتبار الأجل المعلوم في المسلم فيه، فلو أسلم حالاً لم يصحّ سلماً، وصحّ بيعاً، ولا يترك الاحتياط المناسب فيما وقع سلماً غير مؤجّلٍ، وإن كان الأظهر ما مرّ؛ وأمّا ضبط الأجل فلا خلاف في اعتباره في المؤجّل، ولعلّه لكون المؤجّل بما يحتمل الزيادة والنقصان غرريّاً.

اشتراط معلوميّة الأجل للمتعاقدين في السلم

ولا بدّ من الانضباط المعلوم لدى المتعاقدين، ولا يكتفى بالانضباط الواقعيّ فيما يوجب الغرر بالجهل حين العقد، وإذا قال: إلى جمادى، أو الربيع مثلاً، حمل على الأقرب إلى العقد، وكذا إلى الخميس، والجمعة، أو إلى رجبٍ مثلاً.ويحمل الشهر المؤجّل به على الهلالي إن وقع العقد في أوّله العرفيّ، وإن وقع في أثنائه على مقداره الغالب، وهو الثلاثون على الأظهر.

ولو قال: «إلى شهر كذا»، حلّ بأوّل جزءٍ من رؤية الهلال؛ ولو قال: «إلى شهرين» ووقع العقد في أثناء الأوّل أتمّ الأوّل بعد الهلال الثاني ثلاثين على الأظهر، ولو قال: إلى يوم الخميس مثلاً حلّ بأوّل جزءٍ من أوّل خميس.

ذكر موضع التسليم

ويشترط ذكر موضع التسليم فيما لا تعارف في سنخ البيع، ويتحقّق الغرر بدون ذكره على الأظهر، وكذا مؤنة الحمل.

عدم جواز بيع السلف قبل حلوله

إذا اسلف في شيء لم يجز بيعه قبل حلوله، ولو لم يلزم الربا، كالبيع بغير الجنس، أو بالمساوى منه.

جواز بيع السلف بعد حلوله قبل قبضه

ويجوز بعد حلوله حتّى بجنس الثمن الغير المساوي للمبيع على الأقوى على كراهة، بل الأحوط ترك التفاضل بالنسبة إلى ثمن البيع الأوّل إن كان بجنسه، وبالقبض يزول الكراهة بلا احتياطٍ.إذا دفع المسلم إليه دون الصفة ورضى المسلم صحّ وبرء، شرَط النقص بالتعجيل أو التعجيل بالنقص في العقد، أو لا؛ وإن أتى بالصفة وجب القبول، فإن امتنع منه ومن الإبراء قبضه الحاكم بعد سؤال المسلم إليه.ولو دفع فوق الصفة جاز، ووجب القبول، الاّ مع اشتراط الصفة بحدّها في نقصها وكمالها.

ولو دفع الزيادة لم يجب قبولها، ويجوز مع هبة الزائد، وإن قصد الوفاء بالمجموع، أو قصد المعاوضة ولم يلزم الربا جاز مع القبول، لا بدونه، بل له قبول الحقّ فقط وإن لم يلزم الربا، كما في المعدود ونحوه؛ لكن صدق الوفاء بالمجموع مع الزيادة المعتدّ بها لا يخلو عن شبهةٍ؛ وكذا عدم جريان الربا في الوفاء؛ فالخارج عن الهبة والمعاوضة الجائزة المرضيّ بها من الطرفين، لا يخلو جوازه عن تأمّلٍ.

إذا قبض المسلم فيه و وجد به عيباً

إذا قبضه ثمّ وجد به عيباً، فله الردّ والاستبدال، كما له الرضا به مجّاناً؛ وهل يجوز له مطالبة الأرش؟ يحتمل ذلك، خصوصاً إذا تعيّب بما يمنع عن الردّ، والأحوط المصالحة مع المسلم إليه إذا اُريد أخذ الأرش منه مع إمكان الردّ، وفي النماء المنفصل إذا لم يكن كونه للقابض اتفاقيّاً.

وإذا وجد بالثّمن عيباً بعد قبضه فإن كان من غير جنسه، بطل في المعيّن واستبدل في الكلّي قبل التفرّق؛ فإن تفرّقا، بطل السلم؛ وإن كان من الجنس كان له الردّ والأرش، لكنّ الردّ في الكلّي لا يوجب الاّ رد القبض بعد تحقّقه في المعيب، فلا يلزم أن يكون التبديل أو الأرش مطلقاً بعد ذلك محقّقاً في المجلس.

حكم اختلاف المسلم والمسلم إليه في القبض

لو اختلفا في تحقّق قبض الثمن فلا يخلو تقديم قول مدّعى الصحّة عن وجه، لأصالتها في نفس البيع المشروط بالقبض المتأخّر المقدّمة على استصحاب عدم القبض، بخلاف القبض في غير المشروط به.

ولو اختلفا في تقدّمه على التفرّق، فالمرجع أصالة الصحّة الفعليّة، فيثبت تقدّم القبض، لا استصحاب عدم المفسد، يعني التفرّق قبل القبض. ولو أقاما بيّنةً قدّم بيّنة من لا يسمع قوله، وهو مدّعى الفساد بتقدّم التفرّق هنا، وبعدم القبض في السابقة.

ويمكن المناقشة في الحكم بتحقّق القبض إذا وقع الاختلاف في المجلس، لأنّ المنكر ينفي الصحّة الفعليّة، ولا يدّعى الفساد، والمتيقّن من اصالة الصحّة غير ذلك، فيستصحب عدم القبض، وعليه يقدّم في خصوص الفرض بيّنة مدّعي تحقّق القبض، لأنّه عليه لا يسمع قوله، فهذه الصورة موردٌ للاحتياط، قبل البيّنة وبعدها.ولو قال البائع: قبضته ثمّ رددته قبل التفرّق، فالقول قول البائع في الصحّة إن أنكر المشتري أصل القبض، ولا مداخلة للردّ وعدمه في الصحّة وعدمها، وهو دعوىً اُخرى؛ فلا فرق بين إنكار أصل القبض، وإنكار كونه قبل التفرّق على الأظهر.إذا حلّ الأجل وتأخّر التسليم لا بتفريطٍ من المسلم، ثمّ طالبه بعد الانقطاع، كان مخيّراً بين الفسخ والإنظار ومطالبة القيمة الفعليّة على الأظهر.

لو قبض البائع البعض

لو قبض البائع البعض، فلا كلام في التوافق فيما يندفع به ضرر المشتري؛ ومع عدم التوافق فالفسخ في الكلّ لا مانع منه، والإلزام بقيمة الباقي مع عدم العجز عنها كذلك على الظاهر. وأمّا الفسخ في البعض مع عدم رضا البائع بالتشقيص، أو إلزامه بالأداء في القابل، فلا يخلوان عن الإشكال، بل الإلزام مع اندفاع الغرر بغيره ضررٌ غير مقدم عليه من قبل البائع منفيٌّ عنه. نعم فيما يتوزّع عليه الثمن ممّا لا يتوقّف الانتفاع على المعيّة، يتجّه جواز الإفراد للمعيب في الصفقة بالفسخ، دون ما يتوقّف الانتفاع به على الاجتماع، والمتعدّد لبّاً كالتوزيع.

إذا دفع إلى صاحب الدين عروضاً احتسبت بقيمتها يوم القبض

إذا دفع لصاحب الدين عروضاً مغايرةً مع الدين ولم يساعرها، احتسب بقيمتها يوم القبض بعنوان الدين. ولو كان أصل الدين عرضاً أيضاً لزمت المساواة في القيمة يوم القبض.

في جواز بيع الدّين غير السّلم قبل حلوله تأمّلٌ، ويجوز بعده بحاضرٍ، وبكلّي حالّ.

وهل يجوز بالمؤجّل سابقاً، الأظهر العدم، وإن كان مؤجّلاً بالعقد الفعليّ فكذلك على الأظهر الأحوط.

إذا أسلف في شيء وشرط صوف نعجاتٍ معيّنة، فلا مانع من الصحّة شرطاً.

ولو شرط طعام قريةٍ فمع القدرة على التسليم عادةً لا مانع من الصحّة، والمضمونيّة حاصلةٌ، والتخصيص بالسبب لا ينافيه، بخلاف السلم في الأصواف الموجودة على النعجات المعيّنة.

الإقالة

الإقالة فسخٌ مع التراضي، لا بيعٌ في حقّ المتعاقدين وغيرهما.

ولا تصحّ الإقالة بالزيادة والنقيصة عن الثمن بنفسها، لا بشرط تملّكها بعد ردّ الملك بالإقالة، كشرط التمليك، أو الملكيّة على المشتري بعد البيع المحقّق في ضمن البيع؛ وتصحّ الإقالة كالفسخ بما دلّ عليها من قولٍ، أو فعلٍ، وليس عقداً.

وفي صحّة الإقالة في البعض كالفسخ مع عدم تعدّد العقد لبّاً بسبب البائع أو المشتري أو المبيع صفقةً، تأمّل، بخلاف صورة التعدّد. ولا شفعة بالإقالة، لأنّها ردّ المعاوضة، وليست بيعاً، ولا تسقط اُجرة الدلاّل بالإقالة، لأنّها مستحقّةٌ بالسبب السابق.

والعبرة في القيمة للتالف قبل الإقالة بيوم الإقالة، لا يوم التلف، وهل يضمن المثليّ هنا بالمثل والقيميّ بالقيمة مطلقاً، أو يفصّل بين المبيع والثمن؟ فيه وجهان ذكرناهما في شرح «الشرائع»، ورجّحنا التفصيل الاّ مع القرينة، والحمد للّه.

2 . القرض

تعريف القرض

القرض: «عقدٌ يشتمل على الإيجاب للتمليك بالعوض الواقعيّ، والقبول بما يدلّ على الرضا بمضمون الإيجاب»، ويكفى المعاطاة في صحّة القرض.

عدم جواز اشتراط النفع

ويشترط فيه عدم اشتراط النفع، وإلاّ فيحرم، ويفسد، لأنّه رباً، أي أنّ المجموع من المشروط والشرط يصدق عليه الربا، فيفسد لحرمة أكل الربا، فيفسد في البيع والقرض بملاكٍ واحدٍ، لا أنّ الفاسد خصوص شرط الزيادة على الأظهر. ولا فرق في النفع المشروط بين الزيادة العينيّة والحكميّة.

ويجوز إعطاء الزائد بلا شرطٍ، وأخذه، ويملكه الآخذ، وإن كان عينيّةً على الأظهر، وليست بحكم الهبة في خصوص الزائد.

ويجوز شرط موضع التسليم إذا لم يرجع إلى شرط مؤونة الحمل فيما زاد على الواجب لولا الشرط.

ولا يجب قبول الزيادة مطلقاً إذا كان فيها منّةٌ، وإذا لم يكن في خصوص العينيّة أيضاً.

ويجوز إقراض ما هو واجد شرط السلم، ولا عكس؛ والعكس عدم جواز القرض فيما لا سلم فيه، الاّ أن يرجع إلى الغرر بسبب الخطر في التسليم، أو دفع النزاع على الأحوط.

فيعتبر ما يندفع به النزاع في المستقبل على الأحوط، بل لا يخلو عن وجهٍ، منشأه استقراء المعاوضات، وعرفيّة ذلك.

جواز اقراض المعدودات مع قلة التفاوت

ويجوز إقراض الخبز وزناً وعدداً مع قلّة التفاوت، وكذا المعدودات، وماله المثل الغالب يضمن بالمثل؛ فإن تعذّر فالقيمة يوم الدفع، والأحوط رعاية الأعلى من حين المطالبة إلى الدفع، أو الصلح، والقيميّ يضمن بالقيمة وقت القرض.يملك المال المقترض بالعقد والقبض، ولا ينوط الملك بالتصرّف على الأظهر.

وليس للمقرض مطالبة العين بالفسخ، بل للمقترض دفعها في المثليّ، وعلى المقرض القبول؛ وهل له ذلك في القيميّ؟ فيه نظرٌ يجري في دفع المثل أيضاً.

شرط التأجيل في القرض

ولو شرط التأجيل في عقد القرض، فلزومه هو الأحوط للمقرض؛ وعدمه للمقترض. وهو الظّاهر في ضمن العقد اللاّزم الآخر.ولو أجّل الحالّ، لم يتأجّل، الاّ إذا شرطه في عقدٍ لازمٍ آخر، ويجوز حينئذٍ شرط العوض فيه، ولو كان إنقاداً للبعض؛ ولو شرطه ـ أي التأجيل ـ لم يلزم على الأحوط، لنقل الاتّفاق عن «مجمع البرهان».

جواز تعجيل القرض باسقاط بعضه

ويجوز التعجيل بإسقاط البعض، كما يجوز إنقاد البعض بزيادة أجل البعض الآخر؛ والأحوط كون ذلك كلّه بصورة الإبراء، أو ما يفيده، أو الصلح بغير المجانس.

وجوب نيّة الأداء في القرض

يجب الفحص عن الدائن الغائب، فيجب نيّة الأداء التي لا يتمشّى الفحص بدونها.

ويجب حفظ القدرة على الإيصال إمّا بالعزل، أو الإشهاد المؤثّر فيها، والإيصاء عند الوفاة إلى امينٍ يتمكّن من الإيصال لو ظفر به؛ ومع اليأس المطلق يتخيّر بين التسليم إلى الحاكم، أو التصدّق بالضمان بإذنه، فيتصدّق بقصد الوظيفة الواقعيّة، فإن حضر اتّفاقاً، خيّره بين ثواب الصدقة والمال.

إذا كان لإثنين مالٌ في ذمّةٍ ثمّ تقاسما بما في الذمّة

القسمة لما في ذمّته أو ذممٍ بين الشركاء، غير صحيحةٍ؛ فالمقبوض بعد القسمة جرياً عليها يكون للشركاء مع الرضا؛ ومع عدمه، يكون نصيب غير الراضي أمانةً في يد القابض، وإنّما له المقبوض في خصوص نصيبه. ولا بأس بأن يكون الباقي للقابض مع رضا الدافع مجدّداً، كما في القبض بلا قسمةٍ، حيث يكون للشريكين مع رضاهما، وللآخذ لمقدار الحقّ مع عدم رضا الشريك. ويمكن أخذ نتيجة القسمة بالصلح على ما في الذمم بعضها ببعضٍ، وبالمعيّن الّذي يشري به حصّة الشريك من أحد المديونين، ثمّ بيع به حصّةٌ ممّا في ذمّة المديون الآخر، وبغير ذلك من الحيل الشرعيّة.

لو اقترض دراهم ثمّ أسقطها السلطان وجاء بدراهم غيرها

لو اقترض دراهم ثمّ أسقطها السلطان، فإن لم تسقط عن الثمنيّة رأساً، بل كان لها وضعيّةٌ وكان للحادثة علوّ قيمةٍ بالإضافة، فعليه الدراهم الاُولى، وإلاّ، أي كانت [ بحيث [سقطت عن الثمنيّة، ولم يكن لها الاّ قيمة المادّة، فالأحوط للمديون أنّ عليه الدراهم المستحدثة، أو قيمة الساقطة قبل السقوط، بل لا يخلو عن وجهٍ، لاقتضاء القاعدة له، وانصراف النصّ والفتوى عن الفرض.اُجرة لوازم البيع، ونفس الإيجاب على البائع مع الإذن، وعدم قصد التبرّع، ولوازم الشراء وقبوله على المشتري على ما ذكر. ولو باع الواحد واشترى بإذن المالكين استحقّ على مالك المبيع اُجرة البيع ومقدّماته، وعلى مالك الثمن اُجرة الشراء ومقدّماته.إذا هلك المتاع في يد الدلاّل المأذون لم يضمن بلاتفريطٍ، والقول قول الأمين في التلف وعدم التفريط بيمينه، الاّ مع بيّنة المدّعي.ولو اختلفا في قيمة التالف، حلف منكر الزيادة، الاّ أن تقوم البيّنة؛ ولو اختلفا في الإذن في مقدارٍ، حلف منكر الإذن، الاّ مع البيّنة.

بلغ المقام بحمده تعالى يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني من 1399

بيد العبد محمّد تقيّ البهجة حامداً للّه، مصلّياً على سيّد أنبيائه وآله سادة الأوصياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

RSS